قال في حقه المخرج الياباني العظيم أكيرا كوروساوا:
“عندما رحل ساتیاجیت راي شعرت بكآبة وإحباط تام. لكن بعد مشاهدتي لأفلام كیارستمي، اقتنعت بأن الله قد اختار الشخص المناسب ليحل محل ساتیاجیت راي“
.
في الحديث عن “سينما المؤلف “و“السينما الشعرية” يبرز أمامَنا المخرج والشاعر الإيراني العظيم عباس كياروستاميمثل شمس هائلة تضيء هذه المساحة الشاسعة بغزارة التجارب السينمائية والرؤى الفنية العميقة. من أهم أفلامهالكثيرة: (طعم الكرز1997م، عبر أشجار الزيتون 1994م،والحياة تستمر1992م،لقطة قريبة 1990م،أين منزل الصديق؟1987م).
.
((عباس كياروستامي هو مخرج وشاعر، كاتب سیناریو ومونتیر، رسام ومصور فوتوغرافي، ولد في طهران عام 1940 موتوفي في باريس عام 2016. ترك إرثا سينمائيا عظيما يفوق الأربعين تنوعت مابين الأفلام الدرامية والوثائقية والدعائية والأفلام القصيرة))
.
وكون أنه شاعر ومتعدد المواهب في حقول فنية بصرية متعددة فقد غذّت هذه الينابيع كلها تجربته السينمائية الفريدةالتي طبّق فيها بوعي عميق الرؤى الشعرية اللغوية. فكما أن الشعر الحديث يترك مساحات فارغة ليسمح للمتلقيبالتفاعل مع النص في سد هذه الفراغات بالدلالات اللامتناهية فكذلك أفلامه التي يكتبها بنفسه والتي تقول ولا تقول. البسيطة في الشكل والمعقدة في المضمون. لم تكتفِ سينماه بخلخلة البنى السردية القصصية الشائعة محلقةً بالفيلمإلى مقام الصورة الشعرية العالية في أبعادها الجمالية وإيقاعها الساحر، بل محت التخوم بين ما هو درامي وما هووثائقي ومزجت بينهما في خليط ساحر من الصدق العاطفي للممثلين الذين تنوعوا بين الذين ليست لهم تجارب فيالتمثيل مسبقة وبين الأطفال. فكانت سينماه “سينما مطرزة بالبراءة” بحق كما أطلق عليها ذلك كاتب السيناريوالفرنسي الشهير “جان كلود كارييه” واتخذ هذا التعبير الكاتب البحريني “أمين صالح” عنوانا لكتابه الذي تناول تجربة عباس كيارستمي بشكل موسّع.
.
سينماه تمتاز بالتقشف في الميزانية والمونتاج والتلاعب البصري والأضواء إلا أنها ثرية بالعاطفة الشعرية العميقةوالأسئلة الوجودية حول الموت والحياة التي يطرحها من خلال سينماه ولا يجيب عليها لأنه يؤمن أن مهمة السينمائي كالشاعر تماما طرح الأسئلة لا عرض الإجابات.
.
ولأن الشعر يتجلى للشاعر في لحظة حدس عميق فكذلك السينما عند كياروستامي حيث يقول:
(أنا لا أبدأ العمل وفي ذهني نظریة ما. أنا أعمل بطریقة غریزیة تماماً، ولا أعرف طریقةً أخرى للعمل).
ومثلما الشعر المتدفق من هذه اللحظة اللاواعية للشاعر تتطلب منه عودة واعية له بعد مدة لأجل عملية النقد والغربلة. فإن كياروستامي كذلك يعود لمثل هذه اللحظة الواعية في السينما في غرفة المونتاج حيث يقول:
(الصدفة لا توجد في السینما. كل شيء في الفیلم ملحوظ ومحوّل سواء حدث ذلك مصادفةً أثناء التصویر أو على نحو مقصود. لكن مسألةالاحتفاظ به في غرفة المونتاج هي واعیة).
.
ولذلك يجيب برؤية الشاعر السينمائي في أحد حواراته عن “السينما الشعرية“:
(عندما أتحدث عن “السینما الشعریة“، فإنني لا أعني أن لها علاقة بالقصیدة. عندما أتحدث عن“السینما الشعریة” فإنني لا أتحدث عن إرسال رسالة إنسانیة. إنما أتحدث عن السینما في كونها كالشعر، تمتلك خاصیات الشعر المركّبة، ولدیها أیضاً الإمكانیة الواسعة للشعر.. لدیها قدرات الموشور.هذا النوع من السینما – الشبیهة بالموشور – لها مقدرة طویلة الأناة، وفي أي حالة معینة، في أي فترة زمنیة محددة،بإمكانك أن تتصل بها بطریقة مختلفة والناس بإمكانهم اكتشاف ذواتهم فیها. أظن أن على السینما أن تحتذي حذو الفنون الأخرى، أن تقوم بالعملیة ذاتها من التطور، وتتّخذ الإستشراف ذاته الذي اتخذته تلك الفنون.
لكن یتعیّن على المتفرجین أن یقدموا تنازلاً هنا، وذلك في ما یخص عدم توقع الترفیه والتسلیة فقط من الأفلام، كما الحال مع الشعر.. عندمالا یفهمون الشعر، فإنهم لا یعتبرون الشعر مسؤولاً عن وجود قصائد سیئة. إنهم یتقبلون الأمر. وعندما یذهبون للاستماع إلى الموسیقى فإنهم لا یتوقعون أن یستمعوا إلى قصة ما. وعندما ینظرون إلى لوحة تجریدیة فإنها تجلب إلى الذهن أشیاء أخرى غیر السرد. إنه من خلالالترابط أو التداعي التصویري هم “یحصلون” على المعنى، ولیس من خلال إدراك الواقع المباشر أو المستقیم. أتمنى أن یفعلوا الشيء ذاته أمام شاشة السینما.)
.
لأنّ كياروستامي الشاعر والسينمائي ينطلق من مفهوم “سينما المؤلف” فهو يكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه. ولكنه–كما يشير أمين صالح في كتابه “سينما مطرزة بالبراءة– يكتب 15 صفحة من السيناريو فقط، وأثناء التصوير يبدأالفيلم بخلق نفسه بنفسه شيئا فشيئا من الأحداث التي يرصدها كياروستامي في موقع التصوير. أما الحوار فيكتبه قبلالتصوير بفترة قصيرة متكئا على ارتجال الممثلين وتلقائيتهم.
.
كيارستمي تأثر كثيراً بتجربة المخرج الفرنسي العظيم روبيرت بريسون. وهو قد تأثر بكتاباته أكثر من أفلامه كما يشيرهو بنفسه. وربما من أكثر التأثيرات وضوحاً هو إيمانه ب(المودل) لا (الممثل)!
.
يقول روبيرت بريسون في مدوناته حول السينماتوغراف :
لا ممثلون
(لا إدارة ممثلين)
لا أدوار
(لا دراسة أدوار)
لا إخراج
إنما استخدام موديلات من الحياة.
أن نكون (موديلاً) بدل أن نظهر كأننا (ممثلون)*.!
ولذلك تتكئ سينماه على الأطفال والممثلين “الهواة” غير المحترفين “المودل” ليعمّق الشعور بالواقعية على شاشة السينما.
وحريٌ بنا أن نتسائل عن أسباب انتقاء كياروستامي للأطفال وممثلين لم يسبقوا لهم الوقوف أمام الكاميرا؟ وعن كيفية تعامله معهم؟
ويجيب كياروستامي عن ذلك في أحد حواراته كذلك بقوله:
” أحب أن أعمل مع الأطفال لأن لهم نظرة حرّة شبه صوفیة. الحكماء الكبار القدامى
هم أطفال الیوم. الأطفال یحبون الحیاة من غیر شعارات. وفي الصباح لا یشعرون بالحاجة إلى القهوة لاستعادة البشاشة“.
وفي موضع آخر یقول:
“الأطفال لا یكونون واعین لوجوههم، لمظهرهم الخارجي، لطریقتهم في الإلقاء، وكیف یلفظون جملهم. هم لا یؤدون ألعاباً، لا یلعبون، أمامالكامیرا.لذلك أنت تحتاج إلى ممارسة سیاسة مختلفة معهم“.
وهو لا یخبر الممثلین عن طبيعة أدوارهم إلا نادرا بحيث يجعلهم يعيشون القلق كما هو في حياتهم الطبيعية حيث يقول:
“أترك الممثلین في شكٍ بحیث یحملون هذا القلق الذي نجده في الحیاة الیومیة. حقیقة أنهم یرتابون تجعلهم یبدون مثلي تماماً“.
ویضیف:
“اللایقین یخلق تعبیر الصدق. الكثیر من المعلومات والإشارات تحوّل الممثلین إلى كائنات آلیة
تحاول أن تصبح مثلك، المخرج والمؤلف، ولا تعكس الحیاة نفسها على نحو طبیعي)
.
وعن دور المخرج مع الممثلين هنا يقول:
(المخرج أشبه بمدرب فریق ریاضي. إنه الشخص الذي بوسعه أن یجلس، یدخّن، یراقب، یتابع، لكنه لا یستطیع أن یفرض إرادته علىاللاعبین ما إن تبدأ المباراة).
.
.
انتهى 🙏
.
المصادر:
كتاب (سينما مطرزة بالبراءة “عباس كياروستامي” للكاتب أمين صالح)
.